الجلفة إنفو للأخبار - الإصلاحات القاعدية للخيارات القانونية والتنظيمية للجماعات المحلية في الجزائر
الرئيسية | مساهمات | الإصلاحات القاعدية للخيارات القانونية والتنظيمية للجماعات المحلية في الجزائر

الإصلاحات القاعدية للخيارات القانونية والتنظيمية للجماعات المحلية في الجزائر
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
مقر البلدية

كتبت هذه الورقة منذ مدة  طويلة، وكنت أنوي نشرها في حينها ولكن تزاحم بعض الأحداث وتسارعها أجّل ذلك، غير أن الثابت مما ورد في هذه الورقة أن مشاكل ومعوقات العمل المحلي لا تزال قائمة ومستمرة، وأن العبث الذي تقوم به بعض المجالس (البلدية والولائية)، وحالة التمركز التي تتواصل من قبل الوصاية، كلها وضعيات لا ينتظر أن تنتهي قريبا. رغم ذلك فإن إعطاء تصور ولو بصورة مقتضبة وبعناوين كبيرة لمسار التقويم والتعديل، فهو يسهم في توضيح أن إمكانية الحل موجودة وفرص النقاش وتداول الأفكار في هذه المواضيع ممكن ويعطي نتائجه الإيجابية، وهو ما يليق أن يُحفز وبقوة على مراجعة قانوني البلدية والولاية وإعطاء هامش أوسع فيهما للجماعات المحلية أن تكون قادرة على القيام بمهامها بشكل سليم وفعال.

إن الجماعات المحلية في الجزائر (الولاية والبلدية) تعد من أكثر الوحدات الدستورية حساسية في التنظيم الإداري من خلال أنها تأخذ مسافة قريبة من المواطنين من جهة، ومن جهة أخرى  فهي تشتغل في جو سياسي وإجتماعي منذ أكثر من 04 عقود بمنطق لا يتجاوب مع التحولات التي عرفتها البلاد في فترات متعددة، وهو ما جعل منها وحدات مُعطَّلة وفي أحيان كثيرة أدوات تعطيل أيضا.

ورغم التصحيحات التي قامت بها السلطة في مرات قليلة إلا أنها لم ترق أن تكون في مستوى الدور المسؤول لهذه الوحدات من حيث الوظيفة التنموية والسياسية والإجتماعية على السواء، وهو ما جعلها تُعقد من مشاكلها بل وتضاعف من حالة التململ وضعف الفعالية والتفاعل مع حاجيات ومتطلبات الجمهور، بل أصحبت أعباء هذه الوحدات الإقليمية على مختلف أشكالها وتشعباتها تقع على عاتق السلطة المركزية (وهو خيار أرادته السلطة لنفسها بإرادتها أو بعدمها) وتزيد من حضور القرار المركزي وتغييب للخيارات اللامركزية في شتى الميادين وأبسط الحاجيات، وهو ما أدى إلى انتفاء شبه كلي لمفهوم استقلالية المحلي عن الخيارات المركزية.

أمام هذه الوضعية التي أوجدت العديد من المشاكل المتراكمة وتضخم للجهاز المركزي وتراجع في مردودية الجماعات المحلية، أصبح لزاما أن يكون هناك مراجعة حقيقية تأخذ البعد العلمي والعملي في إيجاد تصوّر جديد يعطي للوحدات المحلية الدور الواجب القيام به على مستوى البلدية والولاية وهو ما سينسحب على التنمية في بعدها الوطني.

ولتحقيق هذه الخيارات الإصلاحية يكون من اللازم أن تستند هذه الأخيرة على مجموعة من المراجعات الجوهرية، بل والعميقة في منهجية الأداء الإداري والقانوني والسياسي ، والتي يمكن تحديدها في النقاط التالية:

- إعادة النظر في التقسيم الجغرافي على مستوى الولاية والبلدية، والذي يعد الخطوة الأساسية في مواجهة مشاكل كل الوحدات الإقليمية. فالتصور الذي كان يحكم التقسيم في فترة الاشتراكية ومنذ أكثر من ثلاثة عقود لم يعد قادرا على التجاوب مع تحولات كثيرة شهدتها الجزائر في فترات مختلفة، وهذا التقسيم يكون منطلقا من معايير ترتبط بالأبعاد الجغرافية والديمغرافية والاقتصادية. وبالعودة إلى قانون البلدية والولاية نجد أن الإمكانية مطروحة وتجد لها حضورا في كثير من المواد خصوصا ما تعلق بمخطط تهيئة الإقليم في إطار التنمية المستدامة.

- إعادة النظر في فلسفة القانون الذي يحكم الولاية والبلدية، هذا القانون الذي يخاطب مجموع الولايات 58 والبلديات 1541 بنفس اللغة وبنفس الإلتزامات والواجبات والحقوق، وكأنها تتشابه في الجغرافيا والسكان والحاجيات والإمكانات، في حين أن واقع هذه الوحدات مختلف بصورة كبيرة. فما تعيشه الولايات الحدودية من مشاكل ومتطلبات لا يكاد يقارب أو يلتقي مع ما تطلبه وتديره بلديات ساحلية، فهذا المثال يوضح أن الخيارات السلطوية على مسار الدولة الوطنية لم يكن قادرا على أن يمايز بين الأقاليم الجزائرية رغم أن الواقع والتركيبة والمسارات تلزمه بذلك، وهو ما يعد مدخلا لتعطل الكثير من الخيارات التنموية رغم الرصد المالي الكبير لها، وهو ما يستلزم إعادة النظر في هذا التوجه بإلزامية معالجة القضايا والمشاكل والمتطلبات للأقاليم وفق منطق متمايز يخدم الخصوصية والخيارات التي يفرضها كل أقليم، وهو ما يتطلب مراجعة لمفهوم الإقليم والوحدة الإقليمية بصورة عميقة.

- تمكين للدور الفاعل للمنتخب بدلا عن المُعيّن وهو ما يعتبر أحد أبجديات العملية الإدراية والسياسية في النظام السياسي الذي يعطي الأفضلية لمن هو معين عن الطرف المنتخب، وهذه العلاقة المشوهة أثرت كثيرا على العمل والأداء على مستوى البلدية والولاية، وهو ما يتطلب إعادة نظر على المدى القريب بتخفيف الدور المتعاظم للوالي على حساب المنتخبين في (البلدية والولاية).

- مراجعة العلاقة الهيكلية والوظيفية بين السلطة المركزية والوحدات اللامركزية (الولاية البلدية)، وفي هذا يكون المدخل من خلال تمكين أوسع لاستقلالية القرار التنموي والاجتماعي للمجالس المنتخبة، والابتعاد عن التركيز الإداري الذي يحرص على أن يكون فعالا محوريا لا وصائيا أو مراقبا. وهنا تتدخل الخيارات الدستورية في معالجة هذه الإشكالية من زاوية رفع الدور الحقيق للوحدات الدستورية الأهم والأدنى في بناء الدولة ذات أهمية واستقلالية حقيقة.

- التوجه إلى عقد تنموي جديد في الولاية والبلدية يبتعد عن علاقة الانتخاب والزبونية، إلى إعادة النظر في دور اجتماعي وتنموي أوسع للبلدية والولاية،وهو ما يجب أن يعالج في ورشة سياسية وقانونية تعالج فيها الارتباطات البنيوية والأدائية بين مختلف النصوص والقواعد القانونية (قانون الانتخاب، قانون الاستثمار ، قانون المالية، قانون الإعلام ...)

- مراجعة للمالية المحلية ومراجعة للنظام الجبائي لها، حيث تعتبر هذه المراجعة المدخل الرئيس في مواجهة الوحدات المحلية لمشاكلها المالية والقضاء أو التخفيف من ديونها المالية، وإعطائها لاستقلالية أكبر في قراراها التنموي المحلي، والعمل على إشراكها في خلق هذه الضرائب وآليات تحصيلها وآليات توزيعها، ومراجعة نظام الحصص الذي يفرضها التسيير المركزي فمثلا الضريبة على الأملاك 60 % تذهب للسلطة المركزية و20% للجماعات المحلية و 20% للصندوق الوطني للسكن، وهذا ما يوجب مراجعة حقيقة لمفهوم الجباية المحلية. كما يساهم صندوق التضامن للجماعات المحلية في خلق نوع من التفاوت المالي فيما بين البلديات بخلاف المقصد الرئيسي له، من خلال توزيع بعض الإعانات المالية بنسب معينة، لكن هذا الهدف لم يتحقق على أرض الواقع بسب بالمعايير المستعملة في تحديد هذه النسب و التي لا تستند على معايير اقتصادية و تقنية بل يستعمل في ذلك عدد السكان في حساب معادلة التوزيع ا لمتساوي و هذا المقياس يفتقر إلى الدقة و المصداقية لذلك لابد من البحث عن معيار بديل يعكس صورة دقيقة وحقيقية للوضع المالي والاقتصادي للجماعات ا لمحلية.

في الأخير فإن ما ورد في هذه الورقة ليس نهائيا أو مطلقا أو صحيحا بصورة كلية، ولكنها مجموعة من المقترحات التي قرأت الواقع المحلي فأبرزت بعضا من مشاكلها، وحاولت أن تضع جهدا في الحل يمكنه أن يبرز مواقع القوة والإنجاز إن كان للسلطة السياسية في البلاد إرادة على الخروج بالجماعات المحلية من منطق التبعية إلى فضاء الإبتكار والإبداع والديمقراطية.

عدد القراءات : 2169 | عدد قراءات اليوم : 1

       مقالات الرأي و تعليقات القرّاء المنشورة بجريدة " الجلفة إنفو " لا تعبّر بالضرورة عن رأي الجريدة، إنما تعبّر عن رأي كاتبها فقط .


التعليقات :
(1 تعليقات سابقة)

مهموم
(زائر)
11:06 04/09/2021
يتملكني اليأس عندما أسمع وزير الداخلية يسدي تعليمات بالرجوع إليه قبل متابعة أي مسؤول قضائيا ويعيد للواجهة ما يسمى رفع التجريم عن فعل التسيير متدخلا ومقيدا بذلك عمل القضاء؟إذا كان المير مذنبا فما حاجة العدالة لوزير الداخلية؟وطالما أن التعليمات تسمو على القوانين أرى أنه لاطائل من تعديلها ؟

أضف تعليقك كزائر

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

Captcha

مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (سورة ق، 18)

سياسة نشر التعليقات في موقع الجلفة إنفو للأخبار

تتيح جريدة "الجلفة إنفو" الإلكترونية للقراء الكرام إمكانية التفاعل مع الأخبار والمقالات المدرجة من خلال التعليق

على المواد المنشورة، و إذ نرحب بتعليقات القراء، نرجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية

والقبلية، وتحتفظ بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي الشروط أدناه، وتشير إلى أن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من

الأشكال عن آراء فريقها الصحفي وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

و يرجى بذلك الإلتزام بالقواعد التالية:

1- التعليق يجب أن يكون على المادة المنشورة فقط، ولا ينشر أي تعليق يتعلق بموضوع آخر منشور،

2- يهمل كل تعليق يضم شتائم أو ألفاظ خارجة عن إطار الآداب العامة و الدين الإسلامي الحنيف و أعراف مجتمعنا، أو يطال بالقدح والذم والتشهير شخصيات بعينها أو هيئات رسمية،

3- يهمل كل تعليق يتضمن هجوم شخصي وغير مبرر على أفراد محددين بالاسم لهم أو ليس لهم علاقة بالمواد المنشورة،

4- تهمل جميع التعليقات التي تتعرض للكاتب أو صاحب المساهمة باسمه أو لشخصه،

5- تعتذر إدارة الجريدة عن نشر أية تعليقات تتضمن تفاصيل عن شخصيات وأسماء أو أية معلومات لا تخدم المادة المنشورة،

6- لضمان ظهور التعليقات بشكل أسرع يرجى تفادي الإطالة في التعليقات، ويمكن للمداخلات الطويلة أن ترسل عبر البريد الإلكتروني ليتم نشرها كبريد للقراء،

7- تحتاج التعليقات لموافقة المحرر المشرف قبل ظهورها، وقد تحتاج بعض الوقت للظهور لذلك يرجى عدم ارسال التعليق أكثر من مرة،

لكي لا يُهمل التعليق، يرجى الكتابة بلغة عربية فصيحة

نرجو من السادة متصفحي الجريدة الأعزاء التقيد بالقواعد التي أوردناها، وضبط التعليقات بما يتفق مع شروط النشر، ونأسف مسبقا لعدم نشر أية تعليقات تخالف القواعد المبينة أعلاه.

ملاحظات:

  • لإدارة الموقع الحرية الكاملة في اختيار التعليقات ونشرها وحذف كل ما تراه لا يتفق مع الشروط الواردة أعلاه ، ونؤكد على أن إرسال التعليق لا يعني على الإطلاق إلزام إدارة الموقع بنشره،
  • *تتمنى إدارة الموقع من المتصفحين الأعزاء ذكر الاسم الحقيقي في التعليق و تجنب الأسماء المستعارة..
  • * بالنسبة للردود الرسمية يرجى إرسال نسخة من الرد (مع الوثائق الثبوتية) إلى البريد الالكتروني للإدارة وإلا فلن يأخذ الرد بعين الاعتبار ولن يعترف الموقع على مضمونه،
  • * تهمل التعليقات المرسلة كملاحظات إلى إدارة التعليقات، وفي حال وجود شكوى يمكن مراسلة الموقع على البريد الإلكتروني. بريد إدارة الموقع djelfa.info@gmail.com
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

التسجيل في تتبع التعليقات التعليقات :
(1 تعليقات سابقة)

مهموم (زائر) 11:06 04/09/2021
يتملكني اليأس عندما أسمع وزير الداخلية يسدي تعليمات بالرجوع إليه قبل متابعة أي مسؤول قضائيا ويعيد للواجهة ما يسمى رفع التجريم عن فعل التسيير متدخلا ومقيدا بذلك عمل القضاء؟إذا كان المير مذنبا فما حاجة العدالة لوزير الداخلية؟وطالما أن التعليمات تسمو على القوانين أرى أنه لاطائل من تعديلها ؟
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1


أدوات المقال طباعة- تقييم
0
image
email أرسل إلى صديق
print طباعة المقال Plain text نسخة نصية كاملة

آخر الأخبار


منطقة الأعضاء منطقة الأعضاء
تسجيل عضوية جديدة

Connect with facebook

  
آخر التعليقات



محمد محمد
في 11:41 17/09/2021